كم كلّفت الحرب العالمية الأولى؟ القروض والتضخم والديون
كلّفت الحرب العالمية الأولى الدول المتحاربة نحو 186.3 مليار دولار من النفقات العسكرية المباشرة، إضافة إلى نحو 151.6 مليار دولار من الخسائر غير المباشرة، وفق التقدير الكلاسيكي الذي وضعه الاقتصادي الأمريكي إرنست بوغارت عام 1919. المجموع يتجاوز 337 مليار دولار بأسعار ذلك الوقت، أي عدة تريليونات بالنقود الحالية. ولم تكن هناك سوى ثلاث طرق لسداد هذه الفاتورة: الضرائب، والقروض الحربية، وطباعة النقود. والمزيج الذي اختارته كل حكومة هو ما حدّد إن كانت ستخرج من الحرب بدين ضخم أم بعملة محطّمة.
هذا المقال موجَّه إلى لاعبي الاستراتيجية وإلى كل من يريد فهم اقتصاد الأعوام 1914–1918 بلا مصطلحات أكاديمية: كم كلّفت الحرب فعلاً، ومن مَوّلها، ولماذا تضاعفت الأسعار، ولماذا جرى سداد الدفعة الأخيرة من التزامات الحرب في 3 أكتوبر 2010.
باختصار: ستة أرقام تشرح ثمن الحرب
- 186.3 مليار دولار — النفقات العسكرية المباشرة لجميع الدول المتحاربة (تقدير بوغارت، 1919).
- 337.9 مليار دولار — الفاتورة الإجمالية مع الخسائر غير المباشرة: الممتلكات المدمّرة والإنتاج المفقود ورأس المال البشري.
- 11 ضعفاً — نمو الدين العام البريطاني، من نحو 650 مليون جنيه في 1914 إلى 7.4 مليار في 1919.
- 13–14% — حصة النفقات الحربية الألمانية التي غطّتها الضرائب؛ والباقي جاء من القروض وطباعة النقود.
- 4.2 تريليون مارك للدولار — سعر المارك الألماني في نوفمبر 1923، مقابل 4.2 مارك للدولار في 1914.
- 3 أكتوبر 2010 — تاريخ آخر دفعة سدّدتها ألمانيا عن التزامات نشأت عن الحرب العالمية الأولى.
كم كلّفت الحرب العالمية الأولى؟
استمرّت الحرب من 28 يوليو 1914 إلى 11 نوفمبر 1918، أي ما يزيد قليلاً على أربع سنوات من الإنفاق المتواصل. وصعوبة الحساب أن «ثمن الحرب» يتكوّن من أمرين مختلفين. النفقات المباشرة هي أموال الموازنة التي دفعتها الحكومات فعلاً مقابل القذائف ورواتب الجنود والسفن الحربية والنقل بالسكك الحديدية والمستشفيات. أما غير المباشرة فهي ما فُقد: المدن المدمّرة والسفن الغارقة والمحاصيل الضائعة وإنتاجية من قُتلوا أو أصابتهم إعاقة.
قدّر بوغارت النفقات المباشرة بـ186.3 مليار دولار وغير المباشرة بـ151.6 مليار، وما زال هذان الرقمان الأكثر تكراراً في الكتب المدرسية. وبتحويل النفقات المباشرة إلى نقود اليوم عبر مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي نحصل على نحو 4 تريليونات دولار، ومع غير المباشرة نحو 7 تريليونات. مثل هذا التحويل تقريبي دائماً: تغيّر خلال قرن نمط الاستهلاك وطبيعة النقود نفسها، فاقرأ الرقم كرتبة حجم لا كمبلغ دقيق.
من أنفق أكثر من الجميع
- الإمبراطورية البريطانية. ارتفع الإنفاق الحكومي من نحو 200 مليون جنيه في 1913 إلى 2.6 مليار في 1918، أي ثلاثة عشر ضعفاً في خمس سنوات.
- ألمانيا. تجاوزت نفقاتها الحربية 150 مليار مارك؛ ونقلت الحكومة العبء إلى المستقبل عن قصد، على أمل تغطيته بغرامات تُفرض على المهزومين.
- الولايات المتحدة. حاربت 19 شهراً فقط لكنها أنفقت نحو 32 مليار دولار، وصارت المُقرض الرئيسي لدول الوفاق.
- فرنسا وروسيا. جمعت كلٌّ منهما بين قروض خارجية كبيرة وطباعة النقود؛ وبدأ الفرنك والروبل يفقدان قيمتهما مع عامي 1915–1916.
في 1917–1918 استحوذ الإنفاق الحربي على ما بين ثلث ونصف الدخل القومي لكبار المتحاربين. ولم يكن أي اقتصاد قادراً على حمل هذا العبء بالإيرادات الضريبية وحدها، فتحوّلت الحكومات إلى الاقتراض من مواطنيها على نطاق واسع.
من مَوّل الحرب العالمية الأولى؟
الضرائب: الحصة الأصغر
رفعت بريطانيا معدلات ضريبة الدخل وفرضت ضريبة على الأرباح الاستثنائية للشركات، ومع ذلك غطّت بالضرائب نحو ربع إلى ثلث نفقاتها الحربية فقط. أما ألمانيا فجاءت من الطرف المقابل: لم تكن الحكومة الإمبراطورية تملك أصلاً سلطة فرض ضريبة دخل مباشرة (فهي من حق الولايات الأعضاء)، فمَوّلت الضرائب 13–14% من موازنة الحرب. وهذا الفرق يشرح كثيراً مما حدث للمارك لاحقاً.
القروض الحربية: المصدر الرئيسي
اقترضت الحكومات معظم المال من سكانها. في الولايات المتحدة جمعت أربع إصدارات من سندات الحرية (Liberty Bonds) مع «قرض النصر» عام 1919 نحو 21 مليار دولار، وغطّى الاقتراض — لا الضرائب — نحو ثلثي النفقات الأمريكية. ونظّمت ألمانيا تسع حملات اكتتاب حربي (Kriegsanleihe) جمعت قرابة 98 مليار مارك. وأصدرت بريطانيا سندات War Loan بعائد 3.5%، وهي الأوراق التي بقيت في محافظ العائلات لأجيال.
القرض ليس هديّة، بل وعد بالسداد لاحقاً. لذلك رافقت كل حملة دعاية مكثّفة: ملصقات وأفلام إخبارية واجتماعات في الساحات. وقد تناولنا آليات هذا الضغط على الرأي العام في مقال دعاية الحرب العالمية الأولى.
طباعة النقود: حين لا يكفي الاقتراض
عندما لم تكفِ الضرائب ولا القروض، بدأت الحكومات بطباعة النقود وفصل عملاتها عن الذهب. والنتيجة متوقّعة: ارتفعت الأسعار وانخفضت المداخيل الحقيقية، وفرضت الدولة فعلياً ضريبة على مواطنيها عبر التضخم. كان المارك الألماني بـ4.2 للدولار في 1914، وصار 4.2 تريليون للدولار في نوفمبر 1923. ولم يمحُ التضخم الجامح المدّخرات فحسب، بل قيمة القروض الحربية نفسها التي اشتراها الناس بدافع الوطنية.
الجبهة الداخلية كجبهة ثانية
حُوّلت الصناعة إلى الإنتاج الحربي بقرارات إدارية: تلقّت المصانع المدنية طلبيات قذائف ومعادن ومواد ناسفة، وحلّ التوزيع بالحصص مكان السوق الحرة. أدارت ألمانيا برنامجاً مركزياً لتعبئة العمل والموارد من 1916، وأنشأت بريطانيا وزارة خاصة للعتاد.
الشقّ الثاني من اقتصاد الجبهة الداخلية هو التقنين. صُرف الخبز والسكر واللحم والفحم ببطاقات، لأن الحصار ونقص النقل رفعا أسعار السوق فوق قدرة أسر العمال. ودخلت ملايين النساء المصانع بدلاً من الرجال المُجنّدين. هنا صار ثمن الحرب ملموساً لمن لم يرَ الجبهة يوماً، وهنا تراكم الغضب الذي انفجر في أزمات 1917–1918 السياسية.
الفاتورة بعد 11 نوفمبر 1918
أوقفت الهدنة الإنفاق لا الالتزامات. حدّد جدول لندن للمدفوعات عام 1921 تعويضات ألمانيا بـ132 مليار مارك ذهبي، وإن كان نحو ثلث المبلغ فقط يُعدّ قابلاً للتحصيل فعلياً. تعطّلت المدفوعات وأُعيدت صياغتها بخطتَي داوز ويونغ، وتوقفت في الثلاثينيات وعادت بعد الحرب العالمية الثانية، ولذلك جاءت دفعة ألمانيا الأخيرة عن التزامات مشتقّة من الحرب الأولى في 3 أكتوبر 2010 فقط: 69.9 مليون يورو.
ولم تكن بريطانيا أسرع. فسندات War Loan غير محدّدة الأجل بعائد 3.5% لم تُستردّ إلا في مارس 2015، بإعادة نحو 1.9 مليار جنيه إلى حامليها، أي بعد 97 عاماً من نهاية الحرب. هذان الرقمان يوضحان الفكرة أفضل من أي نظرية: في الحرب الطويلة لا يدفع الجيل الذي يخوضها وحده. وللجانب السياسي من الفاتورة نفسها راجع مقال هدنة 1918 ومعاهدة فرساي، وللجانب البشري راجع خسائر الحرب العالمية الأولى.
ما تنقله Frontkrieg من هذا الاقتصاد
Frontkrieg لعبة استراتيجية مجانية في المتصفح تجري أحداثها في 1914، متوفرة بالعربية، وهي تعيد إنتاج الدرس التاريخي الأساسي حرفياً: تستطيع القتال بمقدار ما تتحمّله موازنتك. المال والموارد تأتي من مقاطعاتك يومياً، ولكل فوج أو سفينة أو مبنى جديد سعر محدّد ووقت إنتاج محدّد. واللاعب الذي يجنّد كل شيء دفعة واحدة يكرّر السيناريو الألماني: موجة أولى قوية وخزينة فارغة في الأسبوع الثاني.
ثلاث أفكار من هذا المقال تنطبق على اللعبة انطباقاً شبه كامل: النفقات تنمو أسرع من الدخل؛ ونقص مورد واحد يوقف سلسلة الإنتاج بأكملها؛ والتجارة مع اللاعبين الآخرين أرخص من الغزو. التفاصيل في أدلّتنا عن الاقتصاد والموارد والموازنة وتكاليف إنتاج الوحدات وأوقاتها وسوق الموارد. وبقية المواد في المدوّنة.
أسئلة شائعة
كم كلّفت الحرب العالمية الأولى بالنقود الحالية؟
النفقات المباشرة البالغة 186.3 مليار دولار بأسعار 1918 تعادل نحو 4 تريليونات دولار اليوم، والفاتورة الكاملة مع الخسائر غير المباشرة نحو 7 تريليونات. وهذا تقدير تقريبي وفق مؤشر أسعار المستهلك؛ فلا يوجد تحويل دقيق عبر قرن كامل.
من مَوّل الحرب العالمية الأولى؟
سكان الدول المتحاربة أنفسهم في المقام الأول، عبر القروض الحربية: سندات الحرية في الولايات المتحدة، وKriegsanleihe في ألمانيا، وWar Loan في بريطانيا. الضرائب كانت المصدر الثاني وطباعة النقود الثالث. كما اقترضت دول الوفاق كثيراً من الولايات المتحدة التي كانت مُقرضاً محايداً حتى 1917.
هل استعاد الناس أموالهم من القروض الحربية؟
اختلف الأمر بحسب الدولة. الأوراق البريطانية والأمريكية خُدمت وسُدّدت — واستُرد War Loan البريطاني في مارس 2015. أما القروض الحربية الألمانية فقد أفقدها تضخم 1923 الجامح قيمتها بالكامل تقريباً.
متى أنهت ألمانيا سداد ديون الحرب العالمية الأولى؟
في 3 أكتوبر 2010. بلغت الدفعة الختامية 69.9 مليون يورو وشملت التزامات متفرّعة عن تعويضات وقروض ما بين الحربين، أي بعد 92 عاماً من الهدنة.
الخلاصة
لسؤال «كم كلّفت الحرب العالمية الأولى» جوابان: 186 مليار دولار نفقات مباشرة، وقرن تقريباً من المدفوعات بعد آخر طلقة. مُوّلت الحرب بالضرائب والقروض وطباعة النقود، والدولة التي اعتمدت أكثر على الأداتين الأخيرتين دفعت الثمن لاحقاً من عملة مواطنيها.
وإن أردت أن تشعر بهذا المنطق على موازنتك بدلاً من قراءته في كتاب، ابدأ مباراة في Frontkrieg: مباراة جديدة تنطلق كل يوم، والمشاركة مجانية، وأول نقص في النفط يعلّمك الاقتصاد أسرع من أي فصل دراسي.
مصدر البيانات التاريخية: الحرب العالمية الأولى — ويكيبيديا